بين الإعجاب والانتقاد: مجسّم حنبعل في سلقطة يفتح باب النقاش حول الفن والذاكرة التاريخية

بين الإعجاب والانتقاد: مجسّم حنبعل في سلقطة يفتح باب النقاش حول الفن والذاكرة التاريخية

أثار مجسّم القائد القرطاجي العظيم حنبعل الذي تم تركيزه بمدينة سلقطة منذ يومين، موجة واسعة من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي داخل البلاد وخارجها خاصمة من المهتمين بالتاريخ والفن. وبين من اعتبره خطوة رمزية مهمة لإحياء ذاكرة أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ، ومن رأى أن العمل لا يرقى إلى مكانة حنبعل، تباينت الآراء واختلفت بشكل لافت.

ويبدو أن الجدل لم يكن حول فكرة إقامة المجسّم في حد ذاتها، بل حول المعالجة الفنية التي اعتمدها الفنّان أوالنحّات. فالصورة النمطية المتداولة لحنبعل والمستوحاة من الأعمال الكلاسيكية القديمة (رومانية)  تُظهر قائدًا بملامح صارمة وهادئة توحي بالحكمة والهيبة، في حين اختار المجسّم في سلقطة أسلوبًا أكثر حركية ودرامية، يجسد حنبعل في وضعية هجومية، سيفه مرفوع ونظرته متجهة إلى الأمام، في محاولة لإبراز شجاعته وروحه القتالية.

ومن الناحية الفنية، لا يمكن الجزم بأن أي عمل يمثل الملامح الحقيقية لحنبعل، إذ لا توجد صورة مؤكدة له وصلت إلينا عبر التاريخ، وكل ما نعرفه هو اجتهادات فنية استندت إلى أوصاف وتماثيل قديمة أصبحت صورة نمطية مرسومة في أذهان الناس، لذلك فإن تقييم المجسم ينبغي أن ينطلق من فهم أنه عمل فني معاصر أكثر منه إعادة بناء تاريخية دقيقة.

كما أن هذا الجدل يعكس أمرًا إيجابيًا في حد ذاته، وهو اهتمام الناس بتراثهم وشخصياتهم التاريخية. فحين يثير عمل فني هذا القدر من النقاش، فإنه ينجح في إعادة التاريخ إلى دائرة الاهتمام العام، ويدفع إلى طرح أسئلة حول كيفية تمثيل رموزنا الوطنية والحضارية. والأهم أن تتحول هذه النقاشات إلى فرصة لتطوير المشاريع الثقافية مستقبلاً، من خلال إشراك الباحثين والفنانين والنحاتين في إنجاز أعمال تجمع بين الدقة التاريخية والجودة الفنية. فحنبعل، بما يمثله من رمز عالمي للعبقرية العسكرية والإرادة، يستحق أعمالًا فنية تليق بمكانته وتكون محل إجماع واسع، دون أن تفقد روح الإبداع التي تميز الفن وهذا يتطلّب أموالا طائلة لا يمكن توفير اعتمادها من البلدية (صاحبة المشروع) إذا اعتبرنا أن قيمة هذا المجسّم بين 30 و 40 ألف دينار لا غير.

فالناس قد يختلفون حول شكل المجسّم، لكنهم  يتفقون على أمر واحد: أن تخليد اسم حنبعل في الفضاء العام في مجسّم هو الأول من نوعه في تونس، هو رسالة وفاء لتاريخ سلقطة و قرطاج، وأن النقاش حول الفن يظل صحيًا ما دام يهدف إلى الارتقاء بالذائقة الجمالية والحفاظ على الذاكرة التاريخية.

📌 بقلم الجمري

إرسال تعليق

أحدث أقدم