تونس و المشاركة في المونديال: السقوط ليسا عارا.. العار أن نتعوّد على السقوط مع نفس الوجوه

 


لم تكن المشاركة السابعة للمنتخب التونسي في كأس العالم 2026 مجرد إخفاق رياضي جديد، بل كانت مرآة صادقة لواقع كرة القدم التونسية التي تعيش منذ سنوات حالة من الدوران في الحلقة نفسها. ثلاث هزائم ثقيلة وفضيحة.. خروج مبكر من الدور الأول.. تغيير للمدرب  في محاولة لامتصاص غضب الشارع الرياضي، ثم العودة إلى الخطاب التقليدي الذي يحمّل المسؤولية لهذا المدرب أو لذلك اللاعب، وكأن الأزمة بدأت مع صافرة البداية وانتهت مع صافرة النهاية.

الحقيقة أن ما حدث في المونديال ليس سوى النتيجة الطبيعية لمسار طويل من غياب الرؤية، وانعدام التخطيط، وسيطرة الحلول الترقيعية على حساب العمل الجمعياتي القاعدي. فكرة القدم الحديثة لم تعد تُبنى على الحماس ولا على المواهب الفردية وحدها، بل على مشروع يمتد لعشر سنوات أو أكثر. المنتخبات التي تنافس اليوم على أعلى المستويات لم تصل إلى ذلك بالحظ، وإنما عبر منظومات متكاملة تبدأ من الطفل في مدرسة كرة القدم وتنتهي بالمنتخب الأول. والأخطر من ذلك أن التكوين القاعدي يعيش أزمة حقيقية. فالملاعب قد تُبنى، والتجهيزات قد تُقتنى، لكن العنصر الأساسي مفقود: المكوّن الكفء. فاللاعب الصغير يحتاج إلى مدرب يعلّمه قبل أن يدرّبه، ويزرع فيه أسس اللعبة، ويطوّر ذكاءه التكتيكي، ويصقل شخصيته الرياضية. لكن الواقع يكشف أن عددًا كبيرًا من الفئات الشابة يشرف عليها أشخاص لم يتلقوا تكوينًا حديثًا، ولم يواكبوا تطور كرة القدم العالمية، فأصبحوا يعيدون إنتاج أساليب  الفشل نفسها التي أثبت الزمن محدوديتها بسبب  أزمة المدربين التي لا تقل خطورة عن أزمة التكوين. فالمدرب في تونس هو نتاج العلاقات والولاءات أكثر من الكفاءة العلمية والعملية وحتى الشهادات المتحصل عليها الكل يعرف طرق الحصول عليها و كثيرًا ما تتحول إلى مجرد شهادات تُعلّق على الجدران، دون أن تنعكس على جودة العمل داخل الملعب.

ومن المفارقات أن المشهد الإعلامي الرياضي أصبح يقدّم بعض المحللين باعتبارهم مراجع فنية، في حين أن جزءًا منهم لا يمتلك تجربة تدريبية حقيقية، ولا رصيدًا علميًا في علوم التدريب أو التحليل التكتيكي. فتحولت البرامج الرياضية إلى منصات لإطلاق الأحكام والانفعالات أكثر من كونها فضاءات لنشر الثقافة الكروية. والأسوأ أن بعض هؤلاء أصبح يؤثر في الرأي العام، بل وفي القرارات الرياضية، رغم أن سجله المهني لا يقدم ما يبرر هذه المكانة. 

إن كرة القدم التونسية تحتاج اليوم إلى ثورة فكرية قبل أن تحتاج إلى ثورة فنية. ثورة تعيد الاعتبار للتكوين، وللعلم، وللتخطيط، وللكفاءة، وتقطع مع سياسة الارتجال وردود الأفعال، طبعا بعد استقالة المكتب الجامعي برمته، فلا يمكن لبلد يطمح إلى منافسة الكبار أن يواصل إدارة أهم لعبة شعبية فيه بعقلية موسمية، أو بمنطق البحث عن الحلول السريعة.

لقد كشفت المشاركة السابعة في كأس العالم حقيقة مؤلمة، لكنها ليست جديدة. الجديد فقط أن الفارق بين تونس والعالم أصبح يتسع بسرعة أكبر. وإذا استمرت المنظومة بالعقلية نفسها، فإن التأهل إلى كأس العالم سيصبح في حد ذاته إنجازًا، بينما سيظل تجاوز الدور الأول حلمًا مؤجلًا.

الكرة التونسية لا تحتاج إلى شماعة جديدة تعلق عليها الفشل، بل تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي، يضع الإنسان الكفء في المكان المناسب، ويستثمر في الطفل قبل النجم، وفي المكوّن قبل اللاعب، وفي المؤسسة قبل الأشخاص. عندها فقط يمكن أن تتحول المشاركات المونديالية من مجرد حضور شرفي إلى منافسة حقيقية تليق بتاريخ كرة القدم التونسية وطموحات جماهيرها.

أيمن بن رحومة 

إرسال تعليق

أحدث أقدم