-->

حين تُترك ذاكرة سلقطة فريسة للإهمال.. هل هو تقصير أم عجز؟

 



في سلقطة، حيث يفترض أن يكون التاريخ عنوانًا للفخر، تتحوّل الآثار إلى عبء ثقيل على مؤسسة وُجدت أصلًا لحمايتها، فالمعهد الوطني للتراث، الذي يحمل اسمًا كبيرًا ووظيفة جسيمة، يبدو في الواقع وكأنه اختار سياسة " دَعِ الآثار تواجه مصيرها"، خاصة حين نتحدث عن مدينة سلقطة، إحدى أعرق المدن التاريخية في العالم.

سلقطة، التي تعاقبت عليها الحضارات واحتضنت آثارًا نادرة، لا تحتاج إلى كتب تاريخ للتعريف بقيمتها، لكن يبدو أن هذه القيمة لا تُقرأ في مكاتب وزارة الثقافة. فالمواقع الأثرية هناك تُنهب منذ سنوات، تُهمل، تُترك عرضة للتخريب والعوامل الطبيعية، وكأنها ممتلكات مهجورة لا ذاكرة جماعية لشعب بأكمله. و اللافت في الأمر ليس فقط الإهمال، بل اللامبالاة والصمت المطبق، غياب تام للمتابعة، ووعود موسمية لا تظهر إلا عند اشتداد الأزمات أو تداول صور الخراب على وسائل التواصل الاجتماعي. بعدها تعود الأمور إلى نصابها الطبيعي: لا تدخّل، لا ترميم، لا حراسة، ولا حتى لافتة تُخبر الزائر أن ما يراه هو موقع أثري. تقارير تُكتب، ملفات تُحفظ، ومخططات تبقى حبرًا على ورق، بينما الواقع في سلقطة يقول شيئًا آخر تمامًا. آثارعرضة للنهب، أحجار تاريخية تُقتلع، ومواقع تُترك بلا سياج ولا مراقبة، في مشهد يُشبه كثيرًا الاستخفاف بتاريخ المنطقة وأهلها  وكأن الرسالة واضحة: " التاريخ ليس أولوية ".

إن التقصير في سلقطة ليس مجرد خطأ إداري، بل جريمة صامتة في حق الذاكرة الوطنية. فالأمم لا تُقاس فقط بحاضرها، بل بقدرتها على صون ماضيها. وحين يُترك هذا الماضي عرضة للإهمال، فإن السؤال الحقيقي يكون: ماذا يحدث لسلقطة؟ لماذا كل هذا الخوف من النبش في ذاكرة هذه المدينة؟ وهل صحيح أنّ وزارة الثقافة تخشى النبش في أراضي سلقطة خوفا ممّا يخفيه أديم هذه المدينة الراقدة على تاريخ " امبراطورية عظمى"، حسب المؤرخين وما يتم تداوله من بعض الدكاترة المختصين؟

إنّ الخوض في مثل هذه المواضيع ليس بالأمر الهيّن، و حتى نعطي لقيصر ما لقيصر، فإنّ إبراز آثار سلقطة ليس مجرّد كلام، فالعملية أصعب ممّا يتخيّله البعض ويحتاج خبراء آثار، وليس أساتذة تاريخ، إضافة إلى ميزانية كبيرة جدّا مع ما ستشهده المدينة من اضطراب كبير وتداخل المؤسسات والإدارات فيما بينها، يعني، عملياّ، الأمور معقّدة جدّا وشبه مستحيلة، على الأقل في الوقت الراهن، لهذا لا يمكن تحميل المعهد الوطني للتراث ما لا طاقة له بخصوص الكشف عن آثار هذه المدينة بصفة مستعجلة ودون دراسات، لتبقى الأولوية القصوى هي حماية ما برز سابقا و ما لحق الآن بطريقة عاجلة دون أدنى تأخير.

بقلم الجمري 

إرسال تعليق

أحدث أقدم