المهدية: البناء العشوائي.. واجهة لفشل الإدارات والمسؤولين

المهدية: البناء العشوائي.. واجهة لفشل الإدارات والمسؤولين

أصبح هروب المواطن من تعقيدات الإدارة والبيروقراطية في تونس، والمهدية جزء منها، ظاهرة لافتة، تعكس أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والمرفق العمومي. فبدل أن تكون الإدارة فضاءً لتيسير الخدمات وضمان الحقوق، تحوّلت في نظر الكثيرين إلى مسار طويل من الإجراءات المعقّدة، والوثائق المتعددة، والانتظار .

على سبيل المثال، عندما يرغب المواطن في تقسيم قطعة أرض أو الحصول على رخصة بناء، يجد نفسه أمام رحلة مرهقة تبدأ من جمع الوثائق، وتمرّ عبر تنقّلات متكرّرة بين البلدية و الستاغ و التيليكوم والصوناد و البيئة والتراث والفلاحة  وأملاك الدولة والتجهيز..؟ ولا تنتهي إلا بعد أشهر، وربما سنوات. هذا التعقيد لا يقتصر فقط على طول الآجال، بل يشمل أيضًا غياب المعلومة الواضحة والحلول، وتضارب الإجراءات، وأحيانًا غموضًا في المسؤوليات، ما يجعل المواطن في حالة ضياع دائم ناهيك عن غياب بعض الإدارات والمصالح في المهدية  ( مقرات في سوسة) وما يتكبده المواطن من عناء التنقل وانتظار جواب قد يأتي وقد لا يأتي!؟

وأمام هذا الواقع، يلجأ عدد متزايد من المواطنين إلى "الحلول السريعة"، فيقومون بالبناء دون رخصة، هربًا من دوامة الإجراءات. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا السلوك الفردي إلى ظاهرة جماعية ساهمت في انتشار البناء العشوائي، الذي لم يعد مجرد مخالفة قانونية، بل أصبح معضلة عمرانية واجتماعية تهدّد التوازن الحضري وتثقل كاهل الدولة.

إنّ البناء العشوائي ليس فقط نتيجة تجاوز القانون، بل هو في جانب كبير منه انعكاس لفشل السياسات الإدارية في الاستجابة لحاجيات المواطن. فعندما يعجز النظام الإداري عن توفير خدمات سريعة وشفافة، فإنه يدفع المواطن، بشكل غير مباشر، إلى البحث عن بدائل خارج الأطر القانونية. ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذه الظاهرة، فالإدارة تتحمّل نصيبًا كبيرًا منها، بسبب بطء الإجراءات، وضعف الرقابة الاستباقية، وغياب حلول عملية لتبسيط المسارات الإدارية. كما أنّ تعدّد المتدخلين في ملف البناء، من بلديات وإدارات جهوية ومصالح فنية، يزيد من تعقيد الوضع ويُطيل آجال المعالجة، والشركة التونسية للكهرباء والغاز إحداها، و كذلك وكالة حماية التراث. 

إنّ معالجة هذه الإشكالية تقتضي إصلاحًا عميقًا للمنظومة الإدارية، يقوم على تبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتحديد آجال واضحة للردّ على مطالب المواطنين، مع تفعيل مبدأ المحاسبة عند التقصير. كما يتطلّب الأمر تعزيز الرقابة الميدانية والوقاية من البناء العشوائي قبل تفاقمه.

في النهاية، لا يمكن القضاء على ظاهرة البناء العشوائي دون معالجة أسبابها الحقيقية، وعلى رأسها البيروقراطية وتعطيل المصالح. فالإدارة الناجعة هي التي تقطع الطريق أمام الفوضى، وتوفّر للمواطن مسارًا قانونيًا سهلًا وسريعًا، يجعله شريكًا في احترام القانون بدل أن يكون مجبرًا على مخالفته.

 ✏ بقلم الجمري

إرسال تعليق

أحدث أقدم